
مع الحياة والناس: المضيئون.. هناك! * رشاد ابو داود
التاريخ : 03/2003 عن جريدة الدستور الأردنية
فاجأني وجهه النحيل وعيناه الغائرتان كقنديلين في مغارة نابلسية، او قنديلين مقدسيين في احد شوارع المدينة العتيقة.. يكادان ينطفئان ولا ينطفآن، فثمة زيت لا ينتهي في رام الله والخليل وجنين وطولكرم وغزة. قدره ان ينبع من اول سطر في الخلق الى أول اعلان لساعة القيامة و.. قدرهم، ان يظلوا مضيئين، صامدين رغم العتمة في ارض النفط واشتباك الاشقاء في حضرة الشيخ وشرم الشيخ.
عبدالسلام العطاري، شاب من رام الله عمره عدة مرات من الاعتقالات، ولكمات آثارها تبدو على اسنانه، وهراوات ربما كانت سبب جسده النحيل. عمر معرفتي به من عمر الانتفاضة الثانية. كمعرفتنا بأولئك الذين نراهم على الفضائيات يعتقلون، يَصُـفّهم جنود الاحتلال على حيطان المدارس والمساجد في البرد. هم من يرد ذكرهم في نشرات الاخبار بسطر او سطرين »وقد اعتقلت قوات الاحتلال الرجال فوق سن العشرين وجمعتهم في ساحة القرية او مدرسة البلدة«!
لم ار عبد السلام لكنني اعرفه، وكلنا يعرفه انه احد الشباب الذين استطاعوا ان ينقلوا للعالم معاناة الشعب الفلسطيني كتابة، شعرا ونثرا، صراخا وصمودا، من خلال المواقع المنتشرة على الانترنت.
لم اجد كلاما اقوله له ولا عينين انظر بهما الى عينيه القنديلين، تلعثمت، احمر وجهي وانا اقول له: كم نشعر اننا صغار امامكم، كم نخجل من انفسنا انتم يا من لا تزالون في عين الشمس فيما نحن تناثرنا كواكب سوداء وحجارة براكين مهملة عندما حدث الانشطار الكبير العام 1948.
اشفق عليّ مني، حاول بتواضع الشهيد عندما يُسجّى كمارد على نعشه، ان يخفف من احساسي العربي بالذنب، قال: ابدا ابدا نحن.. نحن نمارس حياتنا كالمعتاد، تعودنا الاحتلال مجنزرات وسيارات ورصاصا واعتقالات. لكن ما يحزننا اننا في السابق كنا نحصي الشهداء باسمائهم، واليوم بارقامهم وعددهم.
يضيف عبدالسلام بحزن: في الشهور الاخيرة حرمنا من ان يرانا العالم نقتل ونجرح ونعتقل، ثمة حصار اعلامي وكاميرات الفضائيات سرقها منا الرسميون لاطلاق تصريحات لا تزحزح دبابة عن مدخل حارة او تجلي جنديا محتلا. وبسبب منهجية التوغلات والمداهمات التي هي اسوأ علينا من الاحتلال المباشر، تعبت الكاميرات من ملاحقة ممارسات الاحتلال. اصبحنا نموت بصمت.
تحدث كثيرا. تألمت اكثر، وقلت له: نسيت ان اسألك: ما سبب قدومك الى عمان؟ ضحك بمرارة قائلا: لقد تم نقل ابي من جنين بلدنا، الى احد المستشفيات هنا في عمان، جئت لزيارته. فالاعمار بيد الله. ضحك اكثر، استغربت قال: لا تندهش فهنا ارى ابي لاول مرة منذ اكثر من سنة، لم املك الا ان استغرب. قال: انا اسكن في رام الله والمسافة الى جنين تستغرق اقل من ساعة بدون حواجز احتلال لكنها تستغرق اكثر من ثماني ساعات وعشرات الاهانات المتعمدة والاذلال على الحواجز ونقاط التفتيش، طبعا التفتيش ليس عن سلاح او احزمة ناسفة بل عن كل ما هو فلسطيني عربي في داخلك للامعان في اذلاله.
ودعت عبدالسلام العطاري وكان امامي مقال في معاريف لنير برعام يقول فيه: اسرائيل مثل اية دولة محتلة، ستستيقظ ذات يوم فالشعوب سئمت الاحتلال وعندها لن تنفع الاعذار، سيأتي يوم يطلب فيه المجتمع الإسرائيلي من كل فلسطيني العفو والصفح.
ترى بأي لغة ودم سنعتذر نحن العرب للفلسطينيين بعدما اعتذرنا للولايات المتحدة عن عروبتنا وديننا ودفنا رؤوسنا في الرمل بانتظار عاصفة رمال جديدة من الصحراء العربية
* رشاد ابو داوود / كاتب وصحفي
مساعد رئيس التحرير جريدة الدستور الاردنية
* مدير تحرير جريدة الوقت البحرينية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق